عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
150
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
هدي النبي ( ص ) إلى دفع ضرر الأغذية بما يقوي نفعها : كذلك اهتدى النبي الكريم ( ص ) إلى دفع ضرر الأغذية والفاكهة واصلاحها بما يدفع ضررها ويقوي نفعها . وهذا من أبلغ أنواع العلاج وحفظ الصحة ، كما أنه من أهم الأبحاث التي تجري حديثا في معرفة خواص كل مادة غذائية عندما تكون مفردة ، أو عندما تضاف إلى غيرها من الأطعمة الأخرى وما يطرأ عليها من تغيير . « فقد يكون أحد الأطعمة حارا وآخر باردا ، وفي كل منهما صلاح للآخر ، وإزالة لأكثر ضرره ، ومقاومة كل كيفية بضدها ، ودفع سورتها بالأخرى . وهذا أصل العلاج كله بل أصل في حفظ الصحة . كما أن علم الطب الحديث يستفيد من هذه الخواص جميعا . « وفي استعمال ذلك وأمثاله من الأغذية والأدوية اصلاح لها وتعديل ، ودفع لما فيها من الكيفيات المضرة لما يقابلها . وفي ذلك عون على صحة البدن وقوته وخصبه » « 1 » . ومن تلك الطرق التي لجأ إليها الرسول في دفع مضار الأغذية بما يدفع ضررها ويقوي نفعها أن الرسول الكريم ( ص ) كان يأكل الرطب بالقثاء . فمن حديث عبد اللّه بن جعفر قوله : « رأيت رسول اللّه ( ص ) يأكل الرطب بالقثاء » . وفي هذا حكمة بالغة . ذلك لأن الرطب حار رطب . يقوي المعدة الباردة ويوافقها ، ولكنه سريع التعفن معكر للدم مصدعّ ، مولد للسدد ووجع المثانة ومضر بالأسنان . والقثاء بارد رطب ، مسكن للعطش ، منعش للقوى بشمّه لما فيه من العطرية ، مطفىء لحرارة المعدة الملتهبة . وإذا جفف بزره ودق واستحلب بالماء وشرب ، سكن العطش ، وأدر البول ، ونفع وجع المثانة . وإذا دق ونخل ودلكت به الأسنان جلاها ، وإذا دق ورقه وعمل منه ضماد مع الميفختج « 2 » نفع من عضة الكلب . ولعل من هذا العلاج أيضا قول عائشة رضي اللّه عنها : « سمّنوني بكل شيء ، فلم أسمن ، فسمنوني بالقثاء والرطب فسمنت » . وقد عرف العرب ولا سيما نبيهم الكريم ( ص ) قوى الأعشاب الغذائية كأدوية وتفاوتها في الاستطباب واشتراكها في الأفعال . كالسنا والشبرم والحلبة والبابونج « 3 »
--> ( 1 ) انظر الطب النبوي لابن قيم الجوزية : ص 250 . ( 2 ) الميفختج قال فيه داود : يراد به أغلوقي وهو عقيد العنب . ( 3 ) البابونج : يدر البول والحيض شربا وجلوسا في طبخه ، ويساعد الهضم .